ابن سبعين
426
رسائل ابن سبعين
وحفظ المرتبة ، والخلافة التي وضعها لهم ، ونصبها من أجلهم ، ونصبهم لها « 1 » .
--> ( 1 ) القائلون بالعصمة فريقان : من زعم أن المعصوم لا يتمكن من المعصية ومن قال أنه يتمكن ، والأولون قالوا أنه يكون مختصا في بدنه ، أو نفسه بخاصية تقتضي امتناع إقدامه على المعاصي ، ويقرب منه قول الأشعري أن العصمة هي القدرة على الطاعة أو عدم القدرة على المعصية . ومن جعله متمكنا قال : إن اللّه تعالى يفعل في حقه لطفا لا يكون له مع ذلك داع إلى ترك الطاعة ، وارتكاب المعصية وهو رأي المعتزلة وعنوا باللطف حالا من المكلف يكون معها إلى الطاعة ، والإجتناب عن المعصية أقرب بشرط ألا ينتهي إلى حد الالجاء وهذا القول قريب من قول الحكماء : إنه الموصوف بملكه لا تصدر معها المعاصي ، ويكون متمكنا ، وسموها عفة . وهذا المذهب أقرب ؛ لأن عدم المعصية لو كان لعدم التمكن لما استحق المدح ، والثواب ، ولقوله تعالى : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ ( الكهف : من الآية 110 ) . وقوله تعالى : وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ( الاسراء : من الآية 39 ) والنهي مع عدم القدرة عبث . ثم هؤلاء زعموا أن العصمة إنما يتم بأربعة أمور : فالأول - أن تكون لنفسه ، أو لبدنه صفة تمنعه عن الفجور . الثاني - أن يحصل له العلم بحسن الطاعات ، وقبح المعاصي . الثالث - أن تتأكد تلك العلوم بتتابع الوحي ، والبيان من اللّه تعالى . الرابع - أنه متى صدر عنه أمر من ترك الأولى ، أو النسيان لم يترك مهملا بل يعاتب ، وينبه عليه ، ويضيق الأمر عليه فيه . وفيه نظر ؛ لأن أكثر الأئمة يقولون : بعصمة الملائكة ، والأئمة وبعصمة حواء ، ومريم ، وفاطمة رضي اللّه عنهم ، ولم يقولوا بالوحي إليهم والحق أنه يكفي في العصمة العفة ، والعلم بحسن الطاعات ، وقبح المعاصي . ثم اتفقت الأمة على كون الأنبياء معصومين عن الكفر إلا الفضيلية من الخوارج فإنهم اعتقدوا أن المعصية كفر ، وجوزوا المعصية عليهم ، ومن الناس من لا يجوز الكفر ، ولكن جوز إظهاره على سبيل التقية صونا للنفس عن الهلاك ، وذلك باطل ؛ لإفضائه إلى إخفاء الدين بالكلية ؛ لأن أولى الأوقات بالتقية وقت ظهور الدعوة ؛ لكون الخلق منكرين في ذلك الوقت ، مريدين هلاكه ولأن الخوف الشديد كان حاصلا لإبراهيم عليه السلام زمان نمرود ، ولموسى عليه السلام زمان فرعون ، وكذا لغيرهم من الأنبياء زمان دعوتهم مع أنهم لم يمتنعوا عن إظهار الدين . ومن الناس من لا يجوز الكفر ، ولا إظهاره ، ولكن جوز الكبائر عليهم والأكثرون نفوها واحتجوا بأن الأنبياء لكونهم أعلم بقبح الفواحش وافر قبالا على الأنوار الإلهية كان صدور الذنب عنهم أفحش وكانوا أقل درجة من عصاة الأمة والذين لم يجوزوا الكبائر فقد اختلفوا في الصغائر ، واتفق الأكثرون علي أنه لا يجوز منهم الإقدام علي المعصية قصدا سواء كانت صغيرة أو كبيرة ؛ بل يجوز منهم صدورها علي أحد وجوه ثلاثة : فالأول : السهو والنسيان والثاني : ترك الأولى